أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
139
عجائب المقدور في نوائب تيمور
واضطرب ، وقال الناس : السلطان هرب ، فانقصم ظهر الناس ، وأيقنوا حلول البأس ، وتفلقت الهموم ، وتعاظمت الغموم ، وتقطعت بهم الأسباب ، وشمل الخلائق أنواع العذاب ، وضاقت الحيل كالصدور ، وتخبطت الأوامر والأمور . فصل : ثم إن تيمور حمد ربه ، ورحل من مكانه ونزل القبة « 1 » ، وألقى عصاه ، ونام مستريحا على قفاه ، ونادى بمعنى ما قلت شعرا : الحمد لله نلنا ما نؤمله * والضدّ أدبر والمأمول قد حصلا وحفر الخنادق حوله ، وبث في الأطراف رجله وخيله ، وأرسل الطلب ، وراء من هرب ، وصار كلما أتي بأحد من أجناد الرجال ، أمر بإلقائه بين يدي تلك الأفيال ، فتفعل معه الأفيال في تلك الفلاه ، ما تفعله المواشي يوم القيامة في مانع الزكاة . فصل : وأما السلطان فإنه لم يصبه من أحد ضيم ، لأنه نشز نشوز الغيم ، وانساب إنسياب الأيم « 2 » ، وتوجه على وادي التيم ، فانتشرت شياطين تيمور في الأرض ، وملأت الطول والعرض ، ووصلت طراشتهم إلى أطراف البلاد وضواحيها ، وعامة القرى ونواحيها ، وجعلوا من كل حدب ينسلون في مشارق الأرض ومغاربها ، التي بارك الله فيها ، وتقدموا إلى المدينة ، وكانت كما ذكر بالأهبة حصينه ، وبأنواع الاستعدادات مكينه ، مسدولة الحجاب ، مغلقة الأبواب ، فتمنع أهلها عليهم ، ولم يسلموها إليهم ، رجاء أن يشموا من النجدة الأرج ، أو يمنّ الله عليهم بعد الشدة بالفرج ، فاستمروا على ذلك نحوا من يومين ، ثم استيقنوا من رجائهم الخيبة ومن ظنهم اللين ، فكان قدوم السلطان وذهابه بالعساكر ، كما قال الشاعر : كما أبرقت قوما عطاشا غمامة * فلما رأوها أقشعت وتجلت
--> ( 1 ) - أي قبة يلبغا ( 2 ) - الأيم : ذكر الأفعى